الخطوة الخامسة

الخطوة الخامسة
تجربة الحل واختباره والتحقق منه:
وتتمثل في إخضاع الأبدال المتاحة في هذا المجال وهي الأبدال التي تم تحديدها سابقاً.
«إن المقدار المفروض مسحه من الرأس لتحقيق صحة الوضوء يمكن تحديده وفق ثلاثة فروض هي:
1 ـ مسح جميع الرأس.
2 ـ مسح أي جزء من الرأس.
3 ـ مسح مقدار ثلاثة أصابع من أصابع اليد، أي بمقدار الربع.
ويمكن تحديد الأدلة التي تم الإستناد إليها في بناء الفروض بالطريقة الآتية:
أدلة البديل الأول:
1 ـ إن الباء ليس من معانيها التبعيض كما قال أهل اللغة، وهذا يتضمن عدم جواز مسح بعض الرأس.
2 ـ قد تكون الباء زائدة، ويتضح ذلك في إفادتها للعموم على نحو ما يمكن فهمه من قوله تعالى:
{فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ}.
وزيادة الباء في هذا المجال تفيد تقوية العموم المستفاد منه.
3 ـ قد تكون الباء للإلصاق ويكون الرأس حقيقة في الكل وإطلاقه على البعض مجاز كما في قوله تعالى في التيمم:
{فامْسِحُواْ وُجُوهَكُمْ...}
وتعميم الوجه واجب باتفاق العلماء.
أدلة البديل الثاني:
1 ـ إن الباء للإلصاق وهو معنى لا يكاد يفارقها. فتكون الآية من قبيل المطلق، ويكون المطلوب منها إلصاق المسح بالرأس ويتحقق بمسح البعض كما يتحقق بمسح الكل.
2 ـ إذا قلنا إن الباء زائدة تكون الآية من قبيل المجمل الذي يرجع في فهمه إلى بيان النبي صلى الله عليه وسلّم وقد ثبت أنه مسح البعض كما مسح الكل في أحاديث صحيحة تدل على جواز الاكتفاء بمسح البعض.
أدلة البديل الثالث:
1 ـ إستخدام حرف الباء للالصاق، فيكون الصاق اليد بالرأس لأنه قوله تعالى:
{فامْسِحُواْ}
يستدعي مفعولاً وهو آلة المسح التي هي باليد. والقاعدة أن الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب الآلة وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب الممسوح، والآية من قبيل الثاني فتقضي تعميم اليد بالمسح. واستيعاب اليد ملصقة بالرأس لا يستغرق غالباً مستوى الربع.
2 ـ إذا سلمنا أن الباء زائدة تكون الآية مجملة لأن احتمال الزيادة واحتمال الإلصاق قائمان فيها على السواء. وقد بينت الأحاديث الشريفة أن المطلوب هو الإلصاق وأن الإلصاق مخصوص بمقدار الناحية فأكثر حيث أنه صلى الله عليه وسلّم لم يلتزم بمسح الكل كما يمسح أقل من ناحية مقدم الرأس. والناحية ومقدم الرأس كلاهما يساوي الربع.
كما يلاحظ أن هذه المعلومات تكاد تكون متخصصة ومتعمقة، قد لا يستطيع الطلبة الوصول إليها، وقد لا يستطيعون معالجتها بهذه الطريقة. ومن أجل ذلك لا بد من تحديد دور كل من المعلم والطالب لتكون أكثر عملية أدائية.
دور المعلم:
تلاحظ أهمية المعلومات والبيانات الضرورية من مصادرها، لأنها تزود الطلبة بالخبرات اللازمة لاختبار ما ذهب إليه تفكيرهم. وأن غياب هذه المعلومات يمكن أن يعيق الإختبار والتحقق، ويمكن أن يعيق نموهم ويطور خبراتهم وأبنيتهم المعرفية، ويقلل من فاعلية المهارة التي يراد تحقيقها لديهم.
لذلك يمكن التنويه بدور المعلم في هذا المجال بالأداءات الآتية:
1 ـ تهيئة المراجع والكتب المتضمنة لهذه المعرفة.
2 ـ تزويد الطلبة ببعض المهارات أو الإشارات التي توجه سيرهم، وتصححه.
3 ـ مناقشة الطلبة في عمليات التجريب والتحقق.
4 ـ تعزيز أداءات الطلبة نظراً لما تتضمنه من صعوبة.
5 ـ التدرج في السير في المرحلة لتحقيق أجزاء ممكنة من المهارة.
دور الطالب:
من الملاحظ في هذه المرحلة ازدياد المسؤولية لتنظيم تعلمهم، وتنظيم الموقف بهدف إنجاز ما هو متوقع منهم. إذ أن النشاط العادي الذي يمارسه الطلبة في مواقف تعلمهم لا يساعدهم على السير وفق هذه المرحلة لأنها تتطلب ممارسة أداءات خاصة وهي:
1 ـ إجراء عمليات بحث وتنقيب دقيق.
2 ـ تحديد مجال المعرفة والخبرة بدقة الوصول إليها بدون مضيعة الوقت والجهد.
3 ـ تنظيم الأدلة وفق الفروض التي قام الطلبة بصياغتها لاختبارها.
4 ـ تعلم خبرات جانبية، تظهر الخبرة أهمية تعلمها للتمكن من الإختبار والتجريب.
مناقشة الأدلة:
يمكن مناقشة الأدلة الثلاثة والتي تشكل بمثابة مرحلة الإختبار في مهارة حل الموضوع فيما يتعلق بموضوع «فرائض الوضوء».
ويمكن تقديم المناقشة للأدلة كمثال على ذلك:
مناقشة البديل الأول:
1 ـ إن احتمال كون الباء زائدة ممنوع لأن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس كان التأسيس خيراً من التأكيد فيترجح حمل الآية على الإلصاق.
2 ـ الإلصاق لا يفيد أكثر من نسبة الفعل إلى الفاعل وكون الفاعل متعلقاً بالكل أو البعض فلا دلالة عليه.
3 ـ قول القائل إن الرأس حقيقة في الكل مجاز في البعض كما ورد في آية التيمم لا ينفع في الإلصاق إفادة العموم لأن الكلام إنما هو إلصاق المسح بالرأس وتكفي في صدقه حقيقة مجرد وقوع المسح عليه.
مناقشة البديل الثاني: مسح أي جزء من الرأس:
إن الأدلة تكاد تكون قوية إلا أنها لا تفيد جواز الاكتفاء بمسح شعرة أو ثلاث لأن مادة المسح تقتضي إقرار ما به المسح على الرأس وهذا لا يعني وضع جزء يسير من إصبع على الرأس لأن مثل هذا لا يقال له مسح لا لغة ولا عرفاً.
مناقشة البديل الثالث: مسح مقدار ثلاثة أصابع من أصابع اليد (أي بمقدار الربع):
ويمكن مناقشة هذا البديل كالآتي:
1 ـ إن القاعدة التي تم ذكرها من أن الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب الآلة وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب الممسوح لا يعرف لها في اللغة أصل ولا شاهد في الإستعمال: لأنك تقول: مسحت يدي بالحائط ولا يتوقف صدقه على استيعاب الأمر و في مثل هذا يحتاج إلى الأغراض والقرائن. وليس المفعول مقدراً في الآية كما يقولون بل لا يحتاج إلى تقديره فليس المطلوب فيها إلا إيقاع المسح على الرأس.
2 ـ ليس لهم أن يقولوا إن الأحاديث قيدت المطلق بفرد معين وهو مقدار الناصية فما فوق لا بد أن يكون هذا تقييداً للمطلق ومن قواعدهم أن تقييد المطلق نسخ له وهو لا يثبت بخبر الآحاد عندهم وبهذا يبقى المطلق نسخ له وهو لا يثبت بخبر الآحاد عندهم وبهذا يبقى المطلق على إطلاقه. ويجزىء أي فرد منه وفعل النبي صلى الله عليه وسلّم مسح الناصية فما فوقها لا يمنع جواز الأقل.
إن تهيئة المعرفة التي تمت مناقشتها تشكل مختبراً معرفياً مجازياً لاختبار الأبدال. وكما يلاحظ مدى دقة القضية المطروحة وإخضاعها للإختبار والتحقق لذلك، اقتضت بذل جهد ذهني عميق، ومعالجات مختلفة، وأنشطة متعددة بهدف إنجاز أهداف هذه المرحلة الجزئية.
وبعد ما تمت مناقشة ومعالجة الموضوع أمكن التوصل إلى النتائج الآتية في موضوع «فرائض الوضوء» كالآتي:
يجوز مسح الكل أو أي جزء قل أم كثر ما دام في دائرة ما يصدق عليه اسم المسح، ذلك لأن الآية من قبيل المطلق الذي لا يدل على أكثر من إيقاع مسح الرأس.