مصدر الحدس و الإلهام

 

   

لاحظ العلم المنهجي بوضوح أن العقل يتكوّن من منطقتين ، أوّل هاتين المنطقتين يحكمها الوعي أو الشعور أو العقل بمفهومه المألوف , و المنطقة الأخرى يحكمها اللاوعي أو اللاشعور أو العقل الباطني ( حسب تعبير البعض ) . و لاحظ أن هذا القسم الأخير الخفي من العقل ، له وظائف أكثر من العقل الواعي بكثير ، و حجمه بالنسبة للعقل الواعي عظيم جداً، لكنه أخطأ بالخلط بين العقل الباطن (الذي هو مسئول عن الحركات أللاإرادية و مخزون التجارب و الخبرات التي جمعها الفرد في مسار حياته ) ، و العقل المبدع  الخلاق الذي هو مصدر الإلهام و غيرها من معلومات خارجة عن متناول الإنسان .  فقد جمع العلم المنهجي هذين القسمين من العقل تحت عنوان واحد هو "اللاوعي" أو "العقل الباطن"، دون محاولة الفصل بينهما ، بالرغم من الفرق الكبير والواضح الذي يبدو جلياً .

   

 العقل اللاواعي عبر التاريخ  :

لم يكن الاهتداء إلى هذا القسم الخفي من العقل وليد صدفة ، و لا كان اكتشافه هدفاً محدّداً سعى إليه الإنسان ، فقد حدّثنا التاريخ عن طرق كثيرة سلكها الأقدمون للوصول إلى ما نعرفه الآن عن هذا الكيان الخفي .

أوّلهم كان السحرة ، و العرّافون ، و الشامانيون أو أطبّاء القبائل ، ثم جاء الكهنة ، و المتنبّؤن ، فالأولياء و القدّيسون ، و المتصوّفون ، و حتى الشعراء و الأدباء , و غيرهم .. جميعهم كانوا يتواصلون مع العالم الآخر (كما سمّوه) ، أو عالم الغيب ، عن طريق الدخول في حالة وعي بديلة ( شرود أو غيبوبة أو غيرها ) و يعودون منه مستحوذين على كشوفات أو إلهامات أو وصفات طبيّة أو حلول لمشاكل مختلفة أو غيرها من معلومات أو أفكار غيبيّة تخدمهم كلٌّ حسب معتقداته أو ممارساته المختلفة .

اعتقد القدماء أن القوى الخفية التي تأتي من العالم الماورائي هي المسبّب للأمراض ، و كانوا يسمونها بأسماء مختلفة ، تبعاً لإختلاف الشعوب و معتقداتها ، فكانوا يعالجون المرضى بالقراءة و الرقى ، كما برعوا في التعامل مع " الأرواح " ، أو كائنات غيبيّة أخرى ، فكانت تنبّئهم بنوع الداء أو الحلّ المناسب لمشاكلهم المختلفة ، و تشبه عملية تحضير الأرواح هذه عملية "التنويم المغناطيسي" الذي هو حقيقة علمية بمفهومنا الحاضر ، و ما زالت ممارسة تحضير الأرواح تطبّق حتى يومنا هذا في المجتمعات المتقدّمة و النامية على السواء .

 ( عرفت من قبل الذين بحثوا في هذه الظاهرة بحركة الأيدوموتور ، و ليس لها علاقة بالأرواح ، و سوف نشرحها فيما بعد ) .

كان الممارسون القدماء ، بمحاولة منهم لفهم تلك القوى المسبّبة للأمراض و الشرور الأخرى , يدخلون في غيبوبة أو غشية TRANCE ، يقابلون أثنائها الأرواح أو المخلوقات الماورائية الأخرى ، ليفاوضوها لصالح المصابين بالشّر ، فكانوا يسافرون ـ أثناء غيبوبتهم ـ إلى عالم الأرواح . و عن طريق الدخول في حالة الغيبوبة (الوعي البديل) ، توصّلوا إلى معرفة ظاهرة البحران أو الإرتقاء الروحي ، و ليتّقنوا صنعتهم قاموا بتدريب أنفسهم تدريبات شاقة طويلة على التفكير و الاستقراء الداخلي و التأمّل . فكانوا ينقطعون عن الناس للاختلاء بأنفسهم ، بحثاً عن الحقيقة المطلقة . و كانت تدريباتهم في الواقع عبارة عن رحلات داخلية في أنفسهم ، حيث التأمل و التخيّل و الإبداع و غيرها من أمور فكرية .

كم من المفكّرين و الأدباء ـ على طول الطريق الحضاري ـ احتجبوا عن الناس و انفردوا بأنفسهم قبل أن يخرجوا إلى العالم و يدهشوه بإنتاجهم الفكري المبدع الخالد ، مثل هومر و هيراقليطوس و أفلاطون و أبو العلاء المعرّي و جلال الدين الرومي و ابن سينا و ابن رشد و الشهراوردي  و كونفوشيوس و منشيوس و غيرهم من المفكّرين القدماء .

التأمّل معروف ، و ممارس منذ عهد البوذيين القدامى إلى متصوّفي العصر الحديث , و في عهد النهضة العلمية الأوروبية تأمّل الفلاسفة ـ أصحاب الفكر المجرّد ـ في الظواهر غير الملموسة كالعقل و المعرفة و النبوغ و الإلهام و الإرادة و غيرها .

   

و ذهب "نيتشه" الفيلسوف بالتأمّل شوطاً بعيداً ، فبعد أن احتجب عن الناس لفترة من الزمن ، خرج إلى العالم بأنشودته العذبة المعروفة بين المثقّفين ثقافة عالية بـ"هذا ما قاله لي زردشت" . و ما فعله "نيتشه" في الحقيقة هو أنه تجوّل بفكره في العالم ـ اللاملموس ـ و هناك قابل من أسماه زردشت ( نبي فارسي ) ، و ما قابل في الحقيقة سوى نفسه و أفكاره التي تتغلغل في عقله ، ثم أبدع ما أبدعه على لسان "زرادشت" .

  نيتشه  

ـ استند الفيلسوف " أرثر شوبنهاور" 1830م في كتابه "العالم كإرادة و فكر" على بحث تناول قوّة خفية أسماها "الإرادة" WILL ، فقال أن هذه الإرادة تتحكّم في سلوك المرء دون أن يشعر ، كأنها رجل أعمى قوي البنية ، يحمل على كتفيه رجلاً ضعيفاّ مبصراً .

ـ ثم استبدل "فون هارتمان" عام 1869م كلمة "الإرادة" بمصطلح "العقل الباطن" SUBMIND ، و وصفه بأنه شيء عظيم الذكاء و المهارة و المقدرة ، و هو جوهر الإنسان و خبيئته ، و أنه الأساس المكين لعالمنا الواعي الملموس .

 

   

ـ و أسماها الفيلسوف "وليم جيمز" بـ(النفس المختبئة) ، و وصفها بأنها مصدر الإبداع و الإلهام الذي تواصل معه جميع العظماء الذين عملوا في مجال الإبداع الفكري .

ـ و أسماها عالم النفس "فريدريك مايرز" بـ(النفس الخفية) SUBLIMINAL SELF ، و كتب يقول : نحن نعيش في كنف شيء عظيم الذكاء ، و إذا لمسنا حضوره ، نعرف حينها أنه أبعد من متناول عقل الإنسان .

 

   

ـ و أسماها عالم النفس " كارل جونغ" بـ(العقل الجماعي) COLLECTIVE UNCONSCIOUS ، أو ( الوعي الخارق ) SUPERCONSCIOUS ، و قد توصّل إلى أن تلك الحكمة و المعرفة الجماعية لجميع الأجيال ، تدخل ضمن مجال ذلك الكيان العظيم الذي هو في متناول الجميع .

ـ عنى "هولم هولتز" عام 1878م بظاهرة فحواها أننا أحياناً نتوقّف عن التفكير في مشكلة معيّنة عندما يصعب علينا حلّها ، ثم يأتينا الحلّ فيما بعد فجأة دون أن نكون قد أعدنا التفكير فيها مرّة أخرى . فاستدلّ من ذلك على وجود إدراك و تفكير خفيين .

   

هذه الظاهرة شائعة بين الناس و خصوصاً المفكرين . ذكر عالم الرياضيات و الفيزيائي الفرنسي "هينري بوانسير" في مقالة نشرت في إحدى المجلّات العلمية عام 1948م ، أنه توصّل إلى نظرية رياضية معقّدة مؤلفة من سلسلة طويلة من المعادلات و  المسائل الرياضية متعلقة بالهندسة الفوقية  ، فتوصّل إلى إثباتها على أربعة مراحل ، و اعترف أنه استلهمها من اللاوعي دون تدخّل من عقله الواعي . ففي المرحلة الأولى عمل خمسة عشر يوماً متواصلاً يخوض في سلسلة طويلة من المسائل و المعادلات التي هي عبارة عن شجرة من الأرقام و الرموز ، و ذهبت جميع محاولاته سدى .

   

 لكن في إحدى الليالي امتنع عن العمل بتلك المسائل و بدلاً من ذلك راح يشرب القهوة (بغير عادته) و انشغل  بأمور أخرى . و استيقض في صباح اليوم التالي ، و توجه نحو الأوراق المليئة بالمعادلات و الأرقام ، فجلس في لحظة تأمّل ، فحمل القلم ، و راح يكتب الحل المناسب بشكل أوتوماتيكي دون تردّد و كأنه يعرف الجواب مسبقاً .

ـ أما الجزء الثاني ، فقد أستلهمه بينما كان في رحلة استكشافية بعيداً عن جو الدراسة و المعادلات و أي شيء له صلة بالرياضيات . ظهرت الفكرة فجأة في ذهنه بينما كان يصعد إلى الباص ، فاحتفظ بها في ذاكرته حتى عاد إلى أوراقه و سجّلها .

ـ أما الجزء الثالث ، فقد استلهمه بينما كان يسير على شاطئ البحر خلال عطلته الأسبوعية ، بعيداً عن جو الدراسة .

ـ و الجزء الرابع الذي كان الجزء المكمّل للنظرية ، فراوده عندما كان في الخدمة العسكرية , و لم يكن مهتماً أصلاً بأي شيء يخصّ الرياضيات ، فانتظر فترة طويلة من الزمن حتى أنهى الخدمة الإجبارية و عاد إلى موقع دراسته و أعلن النظرية .

 ـ مرّ بهذه التجربة الغامضة الكثير من الأكاديميين و الموسيقيين و الفنانين و كل من عمل بالمجالات الفكرية المختلفة . لكن الغريب في الأمر أن معظمهم كانوا يستلهمون الحلول المناسبة أثناء نومهم .

   

ـ الموسيقار "غوسيبي تارتيني" عازف الكمان الإيطالي المشهور ، من كبار الملحّنين في القرن الثامن عشر ، استلهم معزوفته المشهورة "معزوفة الشيطان" THE DEVIL SONATA ، من خلال حلمه الذي قابل فيه الشيطان و تحدّاه في إبراز مواهبه الموسيقية عن طريق عزف كل واحد منهم لمقطوعة موسيقية على آلة الكمان ، فقبل تارتيني التحدّي ، و جرت المبارزة....، و عندما استيقض تارتيني من نومه ، كان الّلحن الذي عزفه الشيطان لا زال منطبعاً بوضوح في ذاكرته ، فأسرع إلى كتابته ، لكنه نسي خاتمة المقطوعة ، فاضطرّ إلى أن يضعها جانباً لمدّة عامين كاملين ، إلى أن سمع في منامه يوماً , رجل موسيقي متجوّل ، أعمى ، يعزف تلك الخاتمة التي فقدها ، و كان ذلك الرجل الأعمى يقف مباشرتاً تحت نافذة تارتيني .

( كل من يسمع تلك المعزوفة التي لا تخلو من سحر خاص , يلاحظ بوضوح أن مصدر الإلهام قادم من مكان غامض أبعد من تناول عقل الإنسان ) .

  تارتيني

 

ـ الشاعر الإنكليزي "سامويل تايلور كولردج" اعترف بأنه استلهم قصيدته المشهورة "كابولاي خان" أثناء نومه ، دون أي تدخّل من عقله الواعي ، لكنه نام ليلتها على كرسيه بينما كان يقرأ في كتاب يروي قصّة ذلك القائد المغولي الشهير .

 

  سامويل كولريدج

 

ـ الروائي الشهير "روبرت لويس ستيفنسون" صرح أن معظم كتاباته كان يستلهمها من شخصيات كان يراها في أحلامه . إحدى تلك القصص المستلهمة كانت قصته المشهورة "الدكتور جيكل و السيّد هايد" . و من قصصه الشهيرة : جزيرة الكنز .

 

 

ستيفنسون

 

ـ الكيميائي الألماني "فون ستراد وينتز" أنسب نتائج تحليله للبنية الحلقية لنواة البنزين إلى حلم راوده أثناء نومه  و ظهرت فيه أفعى على شكل حلقة و ذنبها داخل فمها .

 ـ الفيزيائي الألماني "أوتو لواي"، الحاصل على جائزة نوبل في تجربته على أعصاب الضفدع ، أنسب تلك التجربة إلى حلم راوده أثناء نومه .

 ـ إحدى الأمثلة المثيرة عن الإلهام المباشر ذكرت في كتاب للبروفيسور في علم النفس"فريدريك مايرز" بعنوان "شخصية الإنسان و بقاءها بعد موت الجسد" ، يذكر فيه حادثة حصلت مع الدكتور هـ.ف. هلبركت ، البروفيسور المختص في دراسة "الأشوريين" في قسم التاريخ في جامعة بنسلفانيا ، فيقول :

لقد بذل هذا الرجل محاولات كثيرة ، و ذهبت جميعها سدى , لحل رموز بعض النقوش و الكتابات المحفورة على قطعتين أشوريتين هما عبارة عن كسرتين مصنوعتين من العقيق . و قدّر بأنها تعود إلى فترة معيّنة من التاريخ البابلي ، و قد تمكّن من ترجمة بعض الكلمات الموجودة على إحدى هاتين القطعتين ، و وضع الاستنتاجات و الشروحات التي استخلصها في كتاب موضوع أمامه للطباعة .

و كان حينها يشعر بالخيبة و عدم الرضى لأنه لم يستطيع حلّ الرموز الأخرى . كان ذلك في إحدى ليالي شهر شباط عام 1893م . أوى إلى فراشه منهك القوى من كثرة التفكير ،  فاستسلم مباشرة  للنوم ، و بعدها راوده الحلم ، عبارة عن كاهن طويل القامة ، في الأربعينات من العمر ، يرتدي عباءة بسيطة ، و قاد البروفيسور إلى حجرة الكنز الموجودة في الجهة الجنوبية الشرقية من المعبد ، ثم توجه الكاهن إلى البروفيسور بالقول أن استنتاجاته المتعلقة بقطعتي العقيق كانت خاطئة ، و باشر برواية تاريخها الحقيقي ، و ذكر كيف كان هو شخصياً من بين الكهنة الذين قاموا بكسر ثلاثة قطع من اسطوانة عقيق منقوشة و أن هناك اثنتين من هذه القطع قد تحوّلت إلى حلق و وضعت في أذني الإله "بل" . أما القطعة الثالثة ، يتابع الكاهن ، فلن يستطيع أحد إيجادها ، فقد ضاعت للأبد .. و بعدها اختفى الكاهن . عندما استيقض البروفيسور قام برواية هذا الحلم لزوجته كي لا ينساه ، و راح يعيد فحص قطعتي العقيق و وجد أنها كانت فعلاً ، و بدون شكّ ، قطع تابعة للاسطوانة ذاتها . و على ضوء هذا "الكشف" كان قد تمكّن من جمع القطعتين و حلّ رموزها بالكامل . فقام بتغيير منهج كتابه كليّاً .هذا الحلم الغريب كان بلا شكّ نتاج حقيقي صادر من العقل الآخر مع العلم أن جميع المعلومات التي أعطاها ذلك الكاهن كانت داخل ذهن البروفيسور . لكنها أخمدت في البداية و تفكّكت من قبل العقل الواعي (بسبب انشغاله بشؤون حياتية أخرى) ، فكان من الضوري أن يستلم العقل الآخر زمام الأمور(أثناء النوم) ليتمكّن بعدها من تزويد صاحبه بالإلهام و الرؤية و البصيرة المناسبة ، لكن بطريقة خاصة و غير مألوفة أحياناً .

 هذه الظاهرة تفسّر مفهوم قديم كان معروفاً عند أسلافنا ، يتمثّل بعملية "التسخير" قبل النوم . و لا بدّ من أن الكاهن الذي قابله البروفيسور في حلمه يمثّل مفهوم "الروح المرشدة" التي عرفها القدماء وكانوا يتواصلون معها أثناء نومهم أو غيبوبتهم أو أي شكل من أشكال الوعي البديل بمفهومنا الحاضر .

و ماذا عن الشيطان الذي قابله الموسيقار "تارتيني" في المنام و عزف له ذلك اللحن الجميل ؟ هل يمكن أن يكون تجسيداً للمخلوقات التي تحدث عنها القدماء ؟

ربما هذا يفسّر أهمية "الحلم" و مكانته الخاصة عند القدماء ، الذين اعتقدوا أن الروح ترحل عن الجسد أثناء النوم و تسافر إلى عالم الأرواح و تلتقي معهم و الحصول منهم على أجوبة تساؤلات المختلفة .

قام المصريون القدماء ببناء هياكل عظيمة تسمى هياكل الأحلام . و كان الناس يسافرون إلى تلك الهياكل من جميع أصقاع البلاد ، جالبين معهم الأعطيات و القرابين للآلهة المسئولة عن عالم الأحلام . يطلب منهم الكاهن في الهيكل أن يستلقوا و يناموا و في ذهنهم السؤال الذي يريدون جواباً له ، فينامون و يستيقضون بعد فترة و في حوزتهم الأجوبة المناسبة لمسائلهم المختلفة .  

و هناك حالات كثيرة لا تتطلّب التفكير و التركيز في موضوع معيّن أو الاستخارة قبل النوم ، و أن الحلم ليس الطريقة الوحيدة التي يتواصل بها الإنسان مع العقل الآخر .

 فالمخترعون و الفنانون و غيرهم من المبدعين الفكريين ، لم يبدعوا  بواسطة الاستخارة أو الحلم أو التركيز أو أي جهد عقلي آخر .

بل كان يأتيهم الإلهام بسهولة دون سابق تحضير . ( جميعهم يتميزون بحالة الشرود الدائم و ينشدون الوحدة و الانطواء  ، كأنهم يعيشون في عالم آخر ) .

   

ـ كما هو الحال مع المخترع "توماس أديسون" ، الذي أهدى العالم المئات من الاختراعات و الأفكار الجديدة ، و أكثر من (1000) من هذه الاختراعات كان  لها أثر مباشر على عملية انتقال أمريكا إلى القرن العشرين .

 ـ أما المخترع "نيكولا  تيسلا" (مخترع التيار المتناوب) ، فقد استلهم أفكار و اختراعات قبل زمانها بوقت طويل . و قد انتظرت تلك الأفكار (حبراً على ورق) لفترة طويلة من الزمن ، حتى قام العلم باكتشاف عناصر و مواد جديدة ، فتمكّنوا بعدها من تطبيق تلك الأفكار على الواقع و الاستفادة منها .

 ـ و الموسيقيون مثل "باخ" و "بتهوفن" و "برامس" ، فيبدو أن هؤلاء العظماء كانوا على تواصل مع العقل الآخر ، فقاموا بتأليف أروع الموسيقى التي سمعت على الإطلاق .

   

 

 

 

 

 

 

 

 

بيتهوفين موزارت

 

 

 

 

 

 

 

برامس

 

باخ

 

ـ أما "موزارت" فكان يرى و يسمع الموسيقى في ذهنه . كان في سن الثالثة عندما بدأ العزف ، و في الرابعة يعزف قطع موسيقية ، و في الخامسة بدأ يكتب السيمفونيات ، و في السادسة كان يعزف أمام الحشود في البلاط الملكي البافاري . و قد تمكّن هذا المخلوق أن يكتب أجمل الموسيقى على مرّ الأجيال .

 ـ أما ظاهرة استشراف المستقبل التي عرفت بين المفكرين و الأدباء ، فالأمثلة عليها كثيرة ( سوف نذكر الكثير منها في الجزء القادم ) . كانت مألوفة عند الكتاب و الروائيين بشكل خاص .

 ـ الكاتب الأمريكي " أدوارد بيلامي " ، تمحورت روايته ( بعنوان : النظر إلى الخلف ، عام 1887م ) ، عن رجل يستيقض بعد عقود طويلة من السنين ، تحديداً في عام 2000م ! و يرى مدينة " بوسطن ـ ماساتشوستس " في ذلك الزمن . و يصفها بأنها جميلة ، منحرّكة على الدوام ، لكن بتنظيم يفوق التصوّر . و الأبنية ذات أحجام هاءلة و فخامة هندسية غير مقرونة بالزمن الحالي ( يقصد بالزمن الحالي الذي عاش فيه الكاتب ، أي عام 1887م ، و لم تكن الأبنية في أيامه كبيرة الحجم كما اليوم بسبب عدم اكتشاف مواد البناء المناسبة ) . ذكر بيلامي في روايته أن النساء في العام 2000م ، قد توصّلن إلى حد المساواة مع الرجل ، و أصبحن تعتبرن من العناصر الرئيسية في تركيبة القوى العاملة في المجتمع الصناعي ! ( كتب هذا الكلام في زمن يستحيل فيه التفكير بأن المرأة ستتوصل إلى هذا المستوى من التحرر ) .

و قد تنبأ بالمخازن الضخمة ( السوبر ماركت ) ، و استخدام وسيلة البطاقة الائتمانية       (الكريديت كارد) التي سوف تستبدل بالعملة النقدية ! و قد تكلّم عن عملية طلب البضاعة بواسطة الخراطيم ( أسلاك ) ، و من ثم تشحن إلى الشاري ، ( أي طلب البضاعة بواسطة الإنترنت ، و يتم الدفع عبر الوسيلة التي سماها حرفياً "الكريديت كارد " ! ) .

و العام 2000م الذي وصفه بيلامي ، شمل أيضاً انتشار الهواتف ، الإضائة الكهربائية ، السيارات ، الطائرات ، و حتى الكمبيوترات ! و تحدث عن لوحة المفاتيح التابعة للكمبيوتر و قال أن ظهورها سوف يقضي على عملية الكتابة اليدوية التقليدية إلى الأبد !.

 ـ الكاتب الفرنسي " جول فيرنيه " ، تنبأ بهبوط الإنسان على سطح القمر! و استخدام الغواصات ! و غيرها من وسائل و آلات أخرى وصفها بالمذهلة ، ذكرها في سلسلة من الروايات التي نشرت بين 1863م ، و 1905م .

 ـ الكاتب الإنكليزي " أرثر هـ . ج . ويلز " ، كاتب رواية " آلة الزمن " 1895م ، تنبأ بالتمدّن الهائل الذي اتصف به القرن العشرين . و رأى مدن كبيرة موصولة ببعضها بواسطة طرق معبّدة كبيرة و سكك حديدية ، و أنظمة اتصالات متطوّرة ، كما تنبأ بأوروبا موحدة !. و هو أوّل من استخدم في إحدى رواياته مصطلح " القنبلة الذرية " ! و وصفها بأنها ذات قوة تدميرية هائلة !.

 ـ أما الروائي " إسحاق أسيموف " ، فقد تنبأ باستخدام الكمبيوتر الشخصي في المنازل ، و سوف يعتبر عنصر أساسي في الحياة اليومية !. كتب هذا الكلام عندما كان الكمبيوتر في أيامه ضخم جداً ، بحجم بناء كبير ، و كانت تسود قناعة راسخة بين المختصّين ، و حتى المصنعين لهذا الجهاز ، بأنه عبارة عن معالج معلوماتي ليس للناس فيه صنعة أو مصلحة. و أن الحكومة الأمريكية سوف تكتفي بخمسة أجهزة كمبيوتر فقط ! حتى نهاية هذا القرن !. 

 ـ في العام 1898م ، صدرت في بريطانيا رواية بعنوان " غرق سفينة تايتانك " لمؤلّف ضئيل الشهرة يدعى " مورغان روبرتسون " . تدور أحداثها حول غرق سفينة جبارة للركاب تسمى " تايتانيك " . تقلع عبر المحيط الأطلسي من ميناء " ساوثمبتون " متجهة إلى ميناء نيويورك ، و تصطدم بجبل جليدي ، و يغرق ركابها . و وصفت الرواية ، بدقة كبيرة ، ما سوف يعانيه الركاب . و بعد 14 سنة ، نالت هذه الرواية اهتماماً كبيراً ! و أعيد طبعها مرات عديدة ، و اعتبرت أغرب رواية في تاريخ أدب القرن التاسع عشر ! لان أحداثها وقعت بالفعل لسفينة تحمل نفس الاسم ! و حصل لها نفس الأحداث ! و بأدق التفاصيل ! تم ذلك بعد كتابة الرواية بأربعة عشر سنة !.     

ـ هناك حالات تتخذ شكلاً آخر من الاتصال بالعقل الآخر ، و يمكن أن نوصفها بالاتصال المباشر و الدائم ، و تبدو جليّة عند بعض الأشخاص الذين يملكون قدرات فكرية هائلة ، كالقدرة على حل مسائل رياضية معقّدة أو الإجابة على أسئلة تكاد تكون الإجابة عليها مستحيلة ، أو القدرة الهائلة في التذكّر HYPERMNESIA .

 لا بدّ من أن سمعنا، بين الحين و الأخرى ، عن أشخاص لديهم قدرة كبيرة على حلّ مساءل ومعادلات رياضية معقّدة و بسرعة مذهلة . و الغريب في الأمر هو أن هؤلاء الأشخاص ، لا يظهر عليهم أثر للنبوغ أو التفوّق غير العادي في مجالات أو نشاطات فكرية أخرى ، بل تبدو عليهم البلادة في تلك الأنشطة .

 ـ "شاكونتالا ديفي" (الكمبيوتر الإنساني) ، يستطيع إجراء عملية ضرب لصفين من الأرقام مؤلّف كل صف من 13 رقم ، و ذلك خلال 28 ثانية .

 ـ في العام 1937م ، "جورج كالتونوسكي" ، لعب 34 لعبة شطرنج بنفس الوقت و هو معصوب العينين ، و قد ربح في 24 لعبة و انسحب من 10 منها ، فلم يخسر أي لعبة .

 ـ "هاري كاين" ، كان يستعرض مواهبه على المسرح ، فكان يكتب نص معيّن بإحدى يديه ، و اليد الأخرى تكتب نفس النص بشكل معكوس ، و بنفس الوقت ، يكون منشغلاّ بإجراء عملية حسابية معقّدة ، و يقوم بالتحدّث مع الجمهور . كل ذلك بنفس الوقت ! ‍‍‍. 

 ـ من الأمثلة الغريبة التي تجلّت بشكل واضح هي حالة السيّدة "مازاييرا" . امرأة عادية من إيطاليا ، لا يلاحظ عليها شيء غير عادي ، فهي موظّفة و ثقافتها عادية جداً ، لكن الغريب في الأمر هو أنها تستطيع الإجابة على أسئلة معقّدة جداً ، كالسؤال الذي طرحه عليها العلماء الذين اجتمعوا حولها في 14 يوليو 1961 ، فسألوها :

كم يكون وزن سيارة (فيات) إذا انطلقت إلى المريخ و توقّفت في الفضاء قبل الهبوط بعشرين ألف ميل ؟ و كم تكون سرعتها إذا عادت إلى الأرض دون أن تتحطّم ؟ .. فيأتي الجواب مباشرتاً و دون تفكير !...

كما أن لديها القدرة على التحدّث في موضوعات أعلى من مستواها الثقافي بكثير ، و تبدي دائماً رأياً صائباً و اجتهادات باهرة ، كما أنها تستطيع كتابة معادلات رياضية صعبة يعجز عنها العلماء ! .

 ـ أما موهبة "الهيبرنيزيا" التي هي القدرة الهائلة على التذكّر أو استرجاع الذاكرة ، فقد عرفت منذ زمن بعيد ، لكنها لم تنل اهتمام الأوساط العلمية المخبرية سوى في منتصف الستينات من القرن الماضي  و تحديداً بعد أن نشر عالم النفس الروسي "الكسندر لوريا" ALEXANDER LORIA  كتابه الذي يحمل عنوان "عقل المتذكّر" THE MIND OF THE MNEMONIST ، تحدّث عن هذه الظاهرة بإسهاب و اقترح أن هذا المجال يستحقّ دراسة متعمّقة من قبل العاملين في المجال النفسي .  كان الكسندر لوريا مفتوناً بتلك القدرة التي تمتّع بها رجل يدعى "شيرشيفسكي" ، الذي يسمّى بـ"S"، و الذي خضع لدراسة مركّزة من قبل لوريا لاختبار مواهبه الغير عادية . لكن صرّح لوريا في النهاية أنه ليس لهذه القدرة حدود يتوقّف عندها ، لذلك من المستحيل القيام بقياسها بأي طريقة أو أسلوب ، فاكتفى بوصف تلك القدرة الهائلة بجميع مزاياها في كتابه الشهير .

 ـ يستطيع " S" أن يتذكّر لوح كبير مليء بالكلمات و المعادلات الغير منظّمة و ليس لها تسلسل منطقي ، بعد النظر إليه للحظات . و يستطيع استحضار محتويات هذا اللوح إلى ذاكرته في أي وقت يشاء ، حتى بعد سنوات عديدة ، دون أي خطأ .( لكن إذا حصل خطأ ما في استحضار رقم أو حرف معيّن من بين محتويات اللوح ، يكون السبب في أن ذلك الرقم أو الحرف لم يكن مكتوباً بشكل واضح ، أو يمكن أن يكون "S" قد سمع صوتاً مزعجاً ، أو كان أحدهم يتكلّم في الوقت الذي يقوم بعملية حفظ محتويات اللوح ) . فتوصّل لوريا إلى أن أي خطأ في استعادة عنصر معيّن إلى الذاكرة يعود إلى أسباب إدراكية ،  ليس لخلل ما في القدرة على التذكّر .

 ـ أما الأمريكي "كيم بيك" ، فيستطيع استحضار 7.600 كتاب إلى ذاكرته ، و يعرف جميع أرقام و رموز صناديق البريد في الولايات المتحدة ، و أسماء جميع الطرق الرئيسية المؤدية إلى كل ولاية أو مدينة ، و يستطيع أن يحدّد أي يوم من الأسبوع من أي تاريخ رقمي يعرض عليه ،    ( أي إذا سألوه ما هو اسم اليوم الذي يصادف في تاريخ  2\5\1205م ، فيكون الجواب الأربعاء ! ) .

 ـ يمكن أن تتجلّى عملية الذاكرة كظاهرة غير عادية على استرجاع المعلومات الغابرة ، لكن نراها أحياناً مجرّد عملية استحضار معلومات محدودة القدرات . هذا الوضع المحيّر يدعونا للتفكير أحياناً ، خاصة و أننا قد لمسنا هذا التناقض الكبير خلال التعامل مع ذاكرتنا . فنحن نستطيع مثلاً أن نتذكّر أحداث و تجارب عشناها أيام طفولتنا ، لكننا نجد أنفسنا أحياناً غير قادرين على تذكّر أين وضعنا علاقة المفاتيح منذ ساعة أو دقائق من الزمن ... و هذا يدفعنا إلى التساؤل :

" ما هي آلية عمل الذاكرة ؟ " و السؤال الأهم هو : " أين توجد الذاكرة ؟ "

 هذه الظواهر المذكورة و غيرها الكثير ، سوف تبقى غامضة تماماً بالنسبة للمنهج العلمي السائد ، حتى يأتي الوقت و تظهر الأبحاث شيء جديد و يساعدنا على اكتشاف المزيد عن  خفايا عقل الإنسان و طريقة عمله .

و في النهاية لا يسعنا سوى مشاركة ألرياضياتي و الفيزيائي "هينري بوانسير" في تساؤلاته التي وردت في إحدى مقالاته "الإبداع ألرياضياتي" 1948م ، حيث تساءل :

 

كيف تجري العمليات الحسابية ؟

أي نوع من الدماغ هو ذلك الذي  يجمع و يشكّل و يؤلّف افتراضات و اقتراحات و أنظمة حسابية مختلفة الأشكال و الأوزان ؟

كيف يمكن مقارنة المجريات الفكرية في دماغ عالم الهندسة و الجبريات ، بتلك المجريات التي في دماغ الموسيقار و الشاعر و الرسّام ، و حتى لاعب الشطرنج ؟

ما هي العناصر الأساسية التي تكوّن الإبداع ألرياضياتي ؟ هل هي البديهة و الحدس ؟ أو حاسّة دقيقة للمكان  و الزمان ؟ أو ذاكرة قويّة ؟ أو موهبة هائلة في متابعة تسلسلات منطقيّة متعاقبة ؟ أو أنها قدرة كبيرة على التركيز ؟

".... الحقيقة التي يجب أن تفاجئنا هي أن هناك أشخاص لا يفهمون الرياضيّات .!

إذا كانت الرياضيات تتعامل فقط مع قواعد منطقية و مقبولة من قبل جميع العقول ، كما أن براهينها ترتكز على مبادئ شائعة بين الجميع و لا أحد ينكرها سوى المجانين ، كيف إذاً نفسّر حقيقة أن معظم الناس لا يستجيبون لها أو يستوعبونها ؟ .

الحقيقة الغامضة الأخرى هي أن ليس كل إنسان يستطيع أن يبدع أو يخترع . يمكن لنا أن نتفهّم حقيقة عدم قدرة البعض على الاسترجاع إلى ذاكرته شرح معيّن بعد أن يفهمه ، لكن حقيقة أن ليس كل إنسان يستطيع استيعاب المنطق ألرياضياتي رغم الشرح

المتكرّر ، هي فعلاً ظاهرة غامضة و مفاجئة لكل من يفكّر بالأمر ! ..... أما من جهتي شخصيّاً ، فذاكرتي ليست سيّئة ، لكنها لا تجعلني لاعب شطرنج جيّد . و بنفس الوقت ، فذاكرتي لا تخيّبني عندما أخوض في مسألة رياضية صعبة ، بينما لاعب الشطرنج يضيع حين يخوض في المسألة ذاتها ! . فما تفسير ذلك ؟ .

..... إن المعادلة الرياضية ليست مجرّد ترتيب بسيط من القيم الرقمية و القياسات و الرموز . فقياساتها متموضعة بترتيب منطقي محدّد ، و هذا الترتيب المحدّد الذي تشكله العناصر الرقمية هو أهم من العناصر ذاتها .

لكنني مجرّد أن نظرت إلى هذا الاصطفاف الرقمي المحدّد (معادلة معيّنة) ، أستطيع أن أدرك معناها من اللمحة الأولى و أتفاعل معها دون أن أدخل في تفاصيل عناصرها ، و لا أعتقد أن للذاكرة دور في هذه العملية ، فليس هناك وقت كافي للاستعانة بها ، و لا بدّ من أن السبب يعود إلى " حدس" معيّن ، إنه شعور داخلي غامض يصعب وصفه ، إنه شعور بأنني أعرف . جميعنا نعلم أن هذا الشعور أو هذا الحدس الغامض لا يملكه كل إنسان .

ـ يمكن للبعض أن يكونوا مجرّدين من هذا  "الحدس" أو هذا الشعور الغامض ، و لا يملكون "ذاكرة" قوية أو قدرة " تركيز"جيدة ، لذلك لا يستطيعون استيعاب الرياضيات المعقّدة ، و هم الاكثرية .

ـ بينما هناك آخرون يملكون هذا "الحدس" لكن بدرجة قليلة , و يتمتّعون بقدرة كبيرة على "التذكر" و "التركيز" ، فيحفظون التفاصيل الحسابية عن ظهر قلب ، يستطيعون أن يفهموا الرياضيات ، و أحياناً يطبقونها عملياّ ، لكنهم لا يستطيعون الإبداع أو الاختراع .

 ـ و أخيراً هناك أشخاص ، يملكون ذلك "الحدس" بدرجة عالية ، أما قدرة "الذاكرة" و "التركيز" فهي دون المتوسط ، لكنهم يفهمون الرياضيات جيداً ، و يبدعون فيها ، و حتى  يخترعون ! .

 

ـ هذا ينطبق مع كافة المسالك الفكرية و الفنية التي تتطلّب الإبداع ، كالموسيقى و الكتابة و الشعر و الرسم و غيرها ، فجميعها تشترط وجود ذلك الشعور الغريب الذي يسمونه "الحدس".  

ما هو ذلك الحدس ؟ ... ما هو مصدره ؟ ... لماذا لا يتجلّى عند الجميع ؟.

لقد طرح العالم "بوانسير" هذه التساؤلات في أواخر القرن التاسع عشر ، لكن  "المنهج العلمي السائد" لم يوفر الإجابات حتى هذه اللّحظة .

إذا قمنا بالتعمّق قليلاً في مفهوم العقل ، سوف نخرج مسلّمين بحقيقة واضحة فحواها أن الإنسان لا يستطيع النجاح بالخوض في معترك الحياة بالاستعانة فقط بالعقل الذي يعرّفه المنهج العلمي السائد .

اسألوا البحارة الذين يجوبون البحار و المحيطات ، و متسلقي الجبال ، و الرياضيين ، و المستكشفين ، و المخترعين ، و المقاتلين في ساحات المعارك ، و حتى العاشقين ، و غيرهم  ....

جميعهم أجمعوا على أنه هناك لحظات معيّنة (غالباً في الأوقات الحرجة) ، يقوم فيها الفرد بأفعال أو تصرّفات أوتوماتيكية خارجة عن تفكيره الواعي ، أو يتلفّظ في أحاديثه بكلمات أو يخرج بأفكار ، بشكل بديهي لاشعوري . و جميع هذه التصرفات أو الأفكار خارجة عن متناول العقل العادي . و كأن الفرد ، في تلك اللحظات بالذات ، قد انفصل عن العقل العادي و دخل إلى رحاب عقل خفي آخر ، مجهول المصدر و الهوية . فيستلم هذا العقل الآخر زمام الأمور دون أي تدخّل إرادي من الشخص ، فيرشده إلى برّ الأمان ، أو يلهمه بالفكرة المناسبة أو الحل المناسب لمشكلة معيّنة ، المهم أن النتيجة تكون دائماً لصالحه .

 

 

     

الموضوع التالي

                                  الفهرس الفرعي
     
                                  الفهرس الرئيسي