حاسة التوجه عند الكائنات

 

   

إن سبب قيام بعض الكائنات بعملية التجمّد ( أو الموت الإرادي ) هو من أجل تجنب الظروف القاسية التي يستحيل العيش فيها ( كالشتاء القارص أو الجفاف القاتل أو زمن ندرة الطعام ) .

لكن هناك أنواع أخرى من الكائنات ، وجدت حلول أخرى للهروب من هذه الظروف القاسية . و هي الهجرة !. و هذه العملية هي أكثر غموضاً و تمثّل معجزة أخرى لا يستطيع العلم تفسيرها ! .

 
   

فلم يستطيعوا مثلاً تفسير قدرة طائر الشحرور الصداح Blackpoll Warbler ، الذي يعيش في كندا ، على الطيران مسافة 6000 كلم ليصل إلى البرازيل ! و يعود إلى نفس المكان في العام التالي ! .

   

و طائر الزقزاق الذهبي Golden Plover ، يطير من أطراف المحيط المتجمّد الشمالي إلى الأرجنتين ، يقطع بذلك مسافة 12000 كلم ! و ذات المسافة في رحلة العودة في العام المقبل ! .

   

 

 

و طائر الحرشنة القطبي Arctic Tern   الذي يقضي الصيف في المناطق المجاورة للقطب الشمالي ، و يقضي شتاءه في القطب الجنوبي ، يقطع بذلك مسافة 33000 كلم ذهاباً ، و ذات المسافة إياباً ، يقوم بهذه الرحلة كلَ عام ! .

 

 

   

ـ جميعنا سمعنا عن الحمام الزاجل . فإذا قمنا بتربية هذا الطائر في مكان معيّن ، ثم أخذناه بعيداً عن هذا المكان لمسافات تصل لألوف الكيلومترات ، فإنه يعود إلى نفس المكان و بمنتهى الدقة ! ‍.‍ وضعه الباحثون في برميل يدور باستمرار ، و نقلوه بهذه الحالة إلى منطقة بعيدة جداً ، لكن ما أن أطلقوا سبيله حتى عاد إلى مركز الانطلاق الذي يبعد (3000 كلم ) عن موقع الإطلاق !. 

ما الذي يجعله يهتدي إلى نفس المكان ؟ ما الذي يراه في الجو ؟ ما هو المجال المغناطيسي الذي يتحرّك فيه ؟ ما هي الموجة الكهرومغناطيسية التي يهتدي بها أو يمشي على ترددها ؟ . أكّدت الأبحاث أن هذا الطائر يتحسّس التغيرات حينما ينحرف عن مساره لمسافة ( أربعة ميليمتر ) فقط ! . إنه يطير كالصاروخ الموجّه ! . حاز هذا الطائر على شهرة واسعة عبر العصور ، حيث كان يستخدم لنقل الرسائل و البرقيات السريعة بين الملوك و قادة الجيوش و العشّاق و الرحّالة و التجار و غيرهم . فهذا ما جعله ذائع الصيت بشكل واسع .

   

لكن في الحقيقة ، إذا ألقينا نظرة إلى أبحاث علماء الطبيعة ، نجد ما يفاجئنا بشكل كبير من المعجزات التي تحقّقها معظم الطيور و الكائنات الأخرى في هذا المجال . فجميع الطيور المهاجرة تحقق المعجزات . تلك الطيور التي تحلّق على ارتفاع 5000 قدم أو أكثر أحياناً ، و تقوم بتغطية مسافات بعيدة عن التصديق ، و غالباً ما يكون الطيران في الليل . و قد أجرى العلماء المئات من التجارب و الأبحاث التي تتناول هذه الظاهرة الغريبة . ففي إحدى هذه الأبحاث ، قاموا بتعليق صفائح تحمل أرقام مختلفة على ثمانية عشر طائر من طيور "القطرس"  Albatross  ، التي كانت تستوطن في جزيرة "ميدواي" في المحيط الهادي .

   

وضعوا هذه الطيور في طائرة و توجّهت بها إلى اليابان فوضعت قسم منها ، ثم توجهت إلى الفيليبين و وضعت قسم ، ثم توجّهت إلى جزر مريانا ثم جزر مارشال ثم جزر هاواي ثم ولاية واشنطن في الولايات المتحدة (جزيرة وايد باي) ، قاموا بتوزيع هذه الطيور على جميع تلك المناطق التي تفصل بينها آلاف الكيلومترات .

و بعد إطلاقها من تلك المناطق ، عاد 14 طير إلى موطنه الأصلي في "ميدواي"! .   فالطير الذي انطلق من ولاية واشنطن مثلاً ، قطع مسافة 3200 ميل ، أي بمعدّل 317 ميل يومياً ، على خط مستقيم ! . أما الطائر الذي أطلق من الفيليبين ، فقطع 4120 ميل في 32 يوم ، أي بمعدّل 130 ميل يومياً  ! . و الأمر المذهل هو أن بعض هذه الطيور اضطرّت أن تطير وفق مسارات دائرية أحياناً ، كي تتفادى الرياح القوية ! لكنها وصلت في النهاية إلى هدفها ! .

 
   

أما في عالم الأسماك ، نأخذ منها مثلاً سمك "التروتة" Trots  أو "السلمون" Salmon . تبدأ هذه الأسماك رحلتها من موطن ولادتها في داخل مجاري الأنهار ، تسير لمسافة مئات الكيلومترات مع النهر ، حتى تصل إلى المصبّ ، فتنطلق إلى أعماق البحار و تنتشر باتجاهات مختلفة ، و قد تبتعد أحياناً لمسافات تتعدّى 6000كلم عن مصبّ النهر ! . و بعد سنتين أو أكثر ، تعود تلك الأسماك متوجّهة نحو مصب النهر ذاته ، ثم تبدأ رحلتها بعكس مجرى النهر ، حتى تصل إلى موطنها الأصلي لتضع بيضها  ! .

   

و ما يدعو للدهشة ، هو أن هذه الأسماك تختلط في البحر مع أسماك أخرى من نفس النوع ، لكن تختلف مواطن ولادتها ، أي تأتي من أنهار مختلفة ، و قد تكون المسافة بين مصب هذه الأنهار لا تتعدى نصف كيلومتر . لكن عند عودة هذه الأسماك المختلطة إلى مواطنها ، كلّ سمكة تتعرّف على المصبّ الذي خرجت منه ! و لا تخطئ أبداً في توجّهها ! . هذا النوع من السمك هو أحد الكائنات التي أذهلت العقول بدقّتها في التوجّه و معرفة هدفها مهما بعدت المسافات ...!

 
   

أما السلحفاة البحرية Sea turtle ، فتتوجّه ،  منذ لحظة خروجها من البيضة ، مباشرةً نحو البحر . و تقضي فترة طويلة في البحار ، تتجوّل بعيداً عن ذلك الشاطئ على مسافات تتعدّى 5000 كلم . ثم تعود بعد ثلاثين عام ! إلى نفس الشاطئ لتضع بيضها ! .

   

كل سنة ، تهاجر الحيتان من الجزر الاستوائية إلى الشواطئ القطبية التي تبعد آلاف الكيلومترات ! ثم تعود إلى نفس المكان الذي انطلقت منه ! و تسبح خلال رحلتها هذه في أعماق كبيرة جداً تجعل الرؤية مستحيلة !...

السؤال هو :

" كيف تعرف الحيتان طريقها في هذا المجال المائي الواسع بالرغم من الظلام الذي يسود أعماق المحيطات مما يجعل الرؤية مستحيلة ؟ ".

   

أما الباحثين في عالم الزواحف ، فاكتشفوا بعد أبحاث عديدة ، أن هذه الظاهرة مألوفة بين معظم الزواحف !. فالأفعى مثلاً تستطيع العودة إلى جحرها بعد أن يتم نقلها إلى مكان يبعد عنه 40كم !. و قد تمتعت بهذه القدرة التماسيح و السحالي الأخرى !.

   

اكتشف علماء الطبيعة أن هذه الظاهرة شائعة عند الكائنات البرية ، كالغزلان مثلاً ! حيث لاحظ العاملون في المحميات الطبيعية ، منذ زمن بعيد ، أنه بعد القيام بنقل الغزلان التي ولدت ضمن حدود محمية معيّنة إلى مكان آخر قد يبعد عنها عدة مئات من الكيلومترات ، فإن بعض هذه الغزلان ، التي تتمكن من الهروب من المكان الجديد ، تظهر بعد عدة شهور بالقرب من سياج المحمية الأصلية التي ولدت فيها !.

حصلت هذه الظاهرة في مناسبات مختلفة و محميات مختلفة حول العالم ! و لاحظوا من خلال دراسة مسيرة هذه الغزلان ، أنها تضطرّ أحياناً لعبور العديد من المزارع و الحقول و الأحراش و الغابات ، و حتى القرى و البلدات و المدن ، إلى أن تصل لهدفها المنشود ، و هي المنطقة التي أسرت فيها قبل عملية نقلها !.

   

 

و هذا ما لاحظوه عند الفيل الذي يستطيع أن يحدّد ، بدقة كبيرة ، جهة المكان الذي يقصده حتى لو كان يبعد عدة آلاف من الكيلومترات !. و بالإضافة إلى ذلك ، فإن للفيل قدرة غامضة على تحديد مكان المياه الدفينة تحت الأرض ! و يقوم في فترات الجفاف بحفر الأرض و استخراج المياه القريبة من سطح الأرض بعدة أمتار !.

 

 

   

 

 

كثيراً ما سمعنا روايات واقعية تشير على أن هذه القدرة موجودة عند الحيوانات الأليفة مثل الكلاب و القطط !. فيمكن لأسرة معيّنة أن تنتقل للسكن في مكان جديد أو حتى مدينة جديدة ، تاركين ورائهم حيوانهم الأليف . لكنهم يتفاجؤن بعد عدّة شهور برؤية هذا الحيوان قابعاً أمام باب منزلهم الجديد !. و القصص الأكثر غرابة هي تلك التي حصلت بعد انتقال الأسرة إلى مدينة أخرى قد تبعد مئات الكيلومترات عن منزلهم القديم !.

 

 

   

ـ الفراشات الملكية Monarch Butterfly ، تهاجر من الجهة الشرقية الشمالية من القارة الأميركية الشمالية ، و تقطع مسافة تقارب 3500 كلم متجهة إلى مناطق محدّدة محصورة في أوساط المكسيك ، بالرغم من أنها لم تزر تلك المناطق من قبل ! ، لكنها كانت مزاراً لأسلافها من الفراشات التي لم تتواصل معها من قبل ! . كيف علمت بجهة تلك المنطقة و كيفية التوجّه إليها ؟.

   

ـ "النملة" تنطلق من موطنها و تبدأ بمسيرتها الطويلة لاستكشاف مواقع جديدة للطعام ، و يمكن أن تبتعد عن موطنها لمسافة 300 متر ، و غالباً ما تكون مسيرتها عشوائية غير مستقيمة ، فتتوقّف فجأة ثم تذهب يميناً ثم تدور حول نفسها عدّة مرّات ، فتذهب شمالاً ثم جنوباً ، و تجتاز تضاريس وعرة صعوداً و هبوطاً . لكن بعد أن تكتشف موقع الطعام ، تتوجّه مباشرة نحو موطنها ، بدقّة البوصلة ! فتنطلق نحو موطنها سالكة خطاً مستقيماً ! . كيف حدّدت النملة جهة موطنها رغم كل ذلك اللّف و الدوران و الصعود و الهبوط و المسير العشوائي ؟.

   

 

ـ و كذلك "النحلة" ، فيمكن أن تبتعد عن خليتها مسافة (5 كلم ) و هناك أنواع تبتعد مسافة ( 20 كلم ) ، تجوب الحقول بحثاً عن طعامها ، بنفس المسيرة العشوائية التي ذكرناها ، لكن حين تجد موقع طعامها ، تتوجه إلى خليّتها سالكة خطّاً مستقيماً ! .

 

   

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو :

كيف تهتدي هذه الكائنات إلى أهدافها رغم تلك المسافات الشاسعة التي تفصلها عنها ؟!.

 
   

 

 

 

أما قدرة بعض الكائنات على اصطياد فرائسها ، فهي تمثّل لغزاً حقيقياً للعلم المنهجي ! .

و إذا بدأنا من عالم الطيور ، أوّل ما يتبادر إلى الذهن هو طيور مثل "عقاب النساري" و "السنقر" و "العقاب البحري" و "الباشق" و غيرها . تحلّق هذه الكائنات فوق الماء أو تجثم على صخور المرتفعات المحيطة بها ، ثم تتوجّه فجأة نحو الماء ، و تنحدر بشكل انسيابي ، و عندما تصل إلى نقطة معيّنة فوق الماء تقوم بضرب مخالبها إلى عمق المياه و تخرج بسمكة ! فتطير بها بعيداً ! .

 

 

   

يقوم العلم المنهجي بتفسير هذه العملية مستنداً على " قوة النظر " التي تتمتع بها هذه الطيور !.

لكن هناك عوامل كثيرة تستبعد حقيقة الاعتماد على النظر في هذه العملية ! منها :

   

ـ يمكن أن تبلغ المسافة الفاصلة بين الطير و السمكة المستهدفة بين 100م و 200م على خط مستقيم !

ـ يكون حجم السمكة المستهدفة صغيراً بالمقارنة لحجم الطير (لسهولة افتراسها) ، مما يجعل رؤيتها من هذه المسافة صعباً حتى لو كانت موجودة فوق الماء !.

ـ لا يتوجّه الطير نحو الهدف ضمن خط مستقيم ، بل ينزلق نحوه بشكل انسيابي ، و قد يسير لمسافة معيّنة متوازياً مع سطح الماء !.

ـ السمكة هي دائماً في حالة حركة ، مما يجعل موقعها يتغيّر أثناء اقتراب الطير نحوها متوازياً مع سطح الماء ، و هذا يجعل رؤيتها مستحيلاً في موقعها الجديد !.

 
   

 

ـ مهما كانت درجة قوة النظر التي تتمتّع بها هذه الطيور ، فلا يمكن تجاوز قوانين فيزيائية ثابتة مثل حالة " انكسار الضوء " !. فالناظر إلى شيء تحت الماء لا يراه في مكانه الحقيقي !.

 

   
 
   

 

أما الطيور الغطاسة مثل : " القرلّي " و " الرفراف " و " القاوند " و " المور " و غيرها . تتعلّق هذه الطيور على أغصان الأشجار القريبة من البحيرات و الأنهار ، و بعضها تقوم بالتحليق فوقها بارتفاعات عالية جداً ! و عند تحديد موقع السمكة في عمق المياه ، تسدّد ثم تغطس كالقذيفة ، فتخرج بعدها ماسكة بسمكة في منقارها ! .

   

و هناك طيور تقوم بملاحقة الأسماك تحت الماء و هي مغمضة العينين ! كطائر " الأطيش " و " البجع " . و يقوم العلم المنهجي بتفسير هذه العملية بالاعتماد على النظر ! لكن بالإضافة إلى قانون انكسار الضوء الذي يعيق عامل النظر ، نجد قانون آخر يجعل هذا العامل غير مجدي إطلاقاً ، و هو قانون " انعكاس الضوء " ! لأن بعض هذه الطيور تقوم بالغطس أثناء الليل ! و هذا يجعل درجة الإضاءة داخل المياه معدومة !.

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

   

و لكي نستبعد عامل النظر تماماً من هذه العملية ، يمكننا أن نستشهد بطائر البوم الذي يستطيع تحديد موقع الفريسة في الظلام المطلق ! أي عندما تكون درجة الإضاءة "صفر" !.

 

   

 

 

و كذلك الحال مع الأفعى التي لا يشكّل الظلام المطلق أي عائق لها أثناء ملاحقة فريستها !.

(  قام العلم المنهجي بتفسير هذه الظاهرة عند الأفاعي معتمداً على التحسس الحراري )

 

 

   

و لكي نلغي علاقة النظر من هذه العملية ، أوّل ما يلفت انتباهنا هو الوطواط الأعمى ! .

 ـ يستطيع الوطواط تحديد موقع فرائسه ( حشرات طائرة) ، و جهة توجّهها ، و المسافة التي تفصله عنها ، كل ذلك أثناء طيرانه ليلاً  و  في بيئة مليئة بالعقبات التي تمنع الطيران بحرّية كبيرة (كالكهوف و بين أغصان الأشجار).

ـ أما وطواط المايكرو Micro Bat ، فيستطيع أن يلتقط 600 ناموسة خلال ساعة واحدة ! .

ـ الوطواط البنّي Brown Bat ، الذي يخضع لأبحاث مخبرية مركّزة ، لديه القدرة على معرفة معلومات مفصّلة عن حجم فرائسه ، و شكلها و نوعها ! ، و يستطيع التمييز بينها و لو كانت قريبة جداً من بعضها ! .

و يقوم المنهج العلمي السائد بتفسير هذه الظاهرة بالقول أن الوطواط يصدر ذبذبات ـ تحت صوتية ـ ترتدّ إليه بعد أن تصطدم بالفريسة ، فيعرف من خلالها كل المعلومات .(نفس مبدأ الرادار ) .

 
   

 

لكن العلماء لا يستطيعوا تفسير الكثير من الإنجازات التي يحقّقها الوطواط ، و لا يمكن لجهازه الراداري تحقيقها . فهم لا يعرفون كيف يستطيع الوطواط أن يميّز بين أنواع (العثّ) التي يفضّلها كطعام له ، و أنواع أخرى تتخذ نفس الشكل و الحجم و غيرها من مواصفات ، لكن الفرق هو أن الوطواط لا يفضّلها .

و كذلك الحال مع الوطاويط التي تتغذّى على الضفادع . فحتى هذه اللحظة ، لا يستطيع الباحثون معرفة كيف يميّز هذا الوطواط بين الضفادع السامة و الضفادع المناسبة للطعام ، مع العلم أن كلا  النوعين يتّخذ نفس الشكل و الحجم و حتى الصوت ! .

 

   

 

 

 

يقوم العلم المنهجي بتفسير قدرة الوطواط على تحديد موقع أهدافه اعتماداً على ترددات الصوت التي يطلقها ..

 

 

 

   

 

ـأما "الخلد" الأعمى Mole ، فيستطيع تحديد موقع فريسته ( دودة أو حشرة أخرى ) تحت الأرض ، فيبدأ بحفر الأرض متوجّهاً نحوها مباشرتاً ! . يمكن أن تبعد الفريسة لمسافة أمتار عن الخلد ، و مع ذلك يستطيع تحديد موقعها بدقة متناهية رغم ذلك الحاجز الترابي الصعب !.

   

 

 

يستطيع الخلد تحديد موقع الفريسة على بعد أمتار عديدة تحت التراب ..

 

 

   

إذا كانت التفسيرات التي وضعها العلم خاطئة ،

فكيف نفسر قدرة هذه الكائنات على تحديد أهدافها ؟!

قبل محاولة الإجابة على هذا السؤال دعونا ننظر إلى الحقيقة التالية :

   

 

 

صقر العوسق Kestrel ، يطير من أوروبا كل شتاء مهاجراً إلى شمال أفريقيا ، ثم يعود في الربيع . لكنه في كلا الحالتين ، ذهاباً و إياباً ، لا يعود إلى ذات المنطقة التي انطلق منها . فهو يختار المنطقة التي تتكاثر فيها فئران الحقل ( طعامه المفضّل ) ، فيتوجّه نحوها مباشرة ! . ( مع العلم أن أعداد فئران الحقل تتفاوت بشكل عشوائي ، فيمكن أن تتكاثر في منطقة معيّنة و تقلّ أو حتى تختفي كليّاً في مناطق أخرى ، و يمكن أن يحصل العكس  تماماً ) .

 

 

   

ـ سؤال :

" كيف يعرف صقر العوسق الموجود في أفريقيا الشمالية مكان تكاثر فئران الحقل

 في أوروبا ، فيتوجّه نحوها مباشرة عند هجرته ؟ "

و كذلك الحال أثناء عودته إلى أفريقيا ؟!.

   

أما في الحياة البحرية ، فقد وجد العلماء الكثير من المعجزات الخارجة عن مفهومهم العلمي التقليدي !

 ـ لا يستطيع الباحثون مثلاً معرفة كيف يستطيع الحوت (السفّاح) KILLER WHALE  تحديد موقع فريسته (كالفقمة) في تلك المياه المظلمة ، و على مسافات بعيدة جداً ، و ليس ذلك فحسب ، بل أثبتت الأبحاث أنها تستطيع تحديد حجم الأهداف ، و شكلها ، و سرعة تحرّكها ، و جهة تحرّكها ، و كثافتها ، و حتى تركيبتها الداخلية ! من مسافات بعيدة جداً ! .

   

ـ أما الدلفين ، هذا الكائن البحري الذي يمثّل معجزة حقيقية . فبالإضافة إلى قدرته على تحديد موقع الأشياء من مسافات تفوق التصوّر ، يستطيع أيضاً معرفة نوعية الهدف و حجمه و كثافته و تركيبته و مادته ، و يستطيع التمييز بين أشياء تكون درجة الاختلاف في حجمها و مساحة سطحها لا تتجاوز ـ 10ـ بالمائة ( أي يصعب تمييزها بالنظر العادي ) ! ، أما المسافة القصوى لهذه القدرة على التمييز ، فليس لها حدود ! .

 

هذه الحقيقة جعلت خبراء السونار بحالة ذهول دائم ، فقد أسقطت فكرة تفسيرهم لقدرات هذه الأسماك معتمدين على مبدأ السونار . و جعل الدلفين يعتبر عنصراً أساسياً في تركيبة سلاح البحرية في الدول العظمى . فخدماته "الخارقة" لا يستغنى عنها أبداً ! .

   

هذه ليست سوى أمثلة قليلة على  المعجزات التي تحققها معظم الحيوانات (و لا يمكن ذكرها جميعاً حيث يفوق تعدادها الملايين من الكائنات و الفصائل المختلفة !) . هذه القدرة على تحديد الهدف موجودة عند جميع الكائنات ، حتى النباتات !

 لا بدّ من أننا تساءلنا يوماً كيف تستطيع جذور النباتات تحديد موقع المياه فتتوجّه نحوه مباشرة ! مع أنه ليس لديها عيون أو أدمغة أو غير ذلك من عوامل يعتبرها العلم أساسية من أجل هذا العمل !. و هناك أنواع من الأشجار التي تستطيع أن ترسل جذورها إلى مسافة تفوق 500 م ، و لا تخطئ أبداً في معرفة طريقها إلى الماء ! .

   

جذور النباتات تتوجه دائماً نحو الماء

 

لكن ماذا عن الإنسان ؟

 

   

   

هل يختلف الإنسان عن تلك الكائنات بالرغم من مشاركته لها البيئة ذاتها و الطبيعة ذاتها و السماء ذاتها ..؟ هل الإنسان محروماً فعلاً من هذه القدرة الطبيعية المألوفة عند كل الحيوانات ، و حتى النباتات ؟.

إذا وجدت نفسك يوماً ، و لأسباب معيّنة ، في أرض قاحلة جرداء ، فتنظر حولك و ترى تضاريس متشابهة المعالم و عوامل أخرى تجعلك عاجزاً عن معرفة التوجّه الصحيح ، أو بعبارة أخرى : لا يوجد ما يساعدك في معرفة سبيلك معتمداً على حواسك التقليدية . هل تظن أنك ستنجو من هذا الوضع الحرج ؟. هل تستطيع أن تجد الماء ، كما تفعل الكائنات الأخرى ؟ هل تستطيع أن تحدّد مكان وجود الطعام في تلك الظروف القاسية ؟!.

لقد مرّ بهذه الظروف الصعبة الكثير من الناس ، لكن معظمهم لم ينجُ منها ، مع أنهم لم يبعدو كثيراً من مواقع آهلة بالسكان ، و مع ذلك ، كانوا يتّخذون اتجاهات خاطئة فيظلّون طريقهم و يضيعون ... و كذلك الأمر أثناء وجود الإنسان في الغابة . هل تظن أنه سينجو من الظرف الذي شرحناه ؟ .. هل يستطيع التفريق بين النباتات السامّة و الغير سامّة كما تفعل الكائنات الأخرى؟ هل يستطيع أن يجد طريقه إلى الخلاص؟. كثيراً ما سمعنا عن أشخاص ظلّوا طريقهم في الغابات ، مع العلم أنهم لم يبتعدوا عن مخيّماتهم سوى عدّة مئات من الأمتار ! .

نعود إلى السؤال : هل يملك الإنسان حاسّة التوجّه التي هي ظاهرة موجودة و بدت جليّاً عند كافة الحيوانات ؟ حتى النباتات ؟! ..  

هل للإنسان قدرة غريزية في الحصول على معلومات فطرية تساعده على البقاء ، كمعرفة مكامن المياه و مكان وجود الطعام و الأخطار المحدقة به و غيرها من معلومات تعتبر أساسية لبقائه كما الكائنات الأخرى ؟.

الجواب هو " نعم " ! .

و السبب الذي جعله يبدو " غبيّاً " في الظروف الصعبة المشابهة لما ذكرناها سابقاً هو أنه أصبح "إنسان داجن"! ،لا يستطيع العيش خارج حظيرته المدنية . لقد دجّن الإنسان نفسه عبر العصور . دجّنته الظروف المعيشية التي أوجدها هو بنفسه منذ آلاف السنين . و إذا أردنا أن ندخل في الأسباب ، و شرح القصة كاملة ، و بشكل تفصيلي ، سيتطلّب ذلك عدّة كتب و مجلّدات . لكننا سوف نستخلصها بتجربة صغيرة :

إذا وضعنا إحدى صغار الطيور لم يمرّ على ولادته بضعة دقائق ، في قفص صغير الحجم ، و تركته فيه مدة طويلة من الزمن (حتى يبلغ سن الطيران ) ، و تقوم خلال هذه الفترة بإطعامه و تقديم له كل مستلزماته الغريزية و غيرها من خدمات ، فلم يعتد بعدها على حقيقة أن الطعام قد يمثّل مشكلة كبيرة في الطبيعة و بين الكائنات جميعاً , و لماذا يأبه بذلك ؟ فهو يحصل على ما يريد ، و كل شيء يأتيه بسهولة كبيرة ، لماذا التفكير بها أساساً ؟ .

لكن عندما يتمّ هذا الطير سن البلوغ ، ثم قمت بإخلاء سبيله ، هل تظن أنه يستطيع الطيران ؟ هذا الطير الذي لم ير في حياته طيراً أخر يطير , و قد حرم من الأم التي تساعده على زرع الإيمان في داخله بأنه يستطيع الطيران ، فتدفعه عنوةً من مناطق عالية عدّة مرّات حتى يدرك بأنه خلق لهذا العمل ، حتى أن يأتي الوقت الذي يستطيع فيه التحليق عالياً في السماء ، و الانتقال من بلاد إلى بلاد ، و غير ذلك من معجزات أخرى تحققها الطيور . هذا الطير المسكين ، الذي اعتاد على العيش في القفص ، سوف يحرم من الطيران ، ولو أطلقت سبيله ، على الأقلّ لفترة طويلة من الزمن ، أو ربما للأبد ! .

أما الإنسان ، فقد وضع نفسه في هذا القفص منذ عشرات الألوف من السنين ! ، عاشت بهذا القفص المئات من الأجيال المتتالية . هذا القفص الذي حدّ من قدراته الطبيعية ، تلك القدرات التي نسمّيها اليوم خارقة للطبيعة ، لأننا لم نألف هذه القدرات ، فأصبحت بالنسبة لنا غير طبيعية . لكن لحسن حظ البشرية ، لا زالت تظهر عند بعض الأشخاص ، من حين لآخر ، قدرات هائلة تثبت أن الكائن البشري هو مخلوق أكثر بكثير من ما عرفناه عنه .

 

القــنقــنة

 

   

أما القدرات التي أظهرها الإنسان ، و المشابهة لحاسة التوجه عند الكائنات الأخرى هي ما يسميه القدماء بـ " القنقنة " .

يسمونه " قضيب الرمان" أو "فرع البلوط" أو "عود الصّفصاف" أو غيرها من تسميات مختلفة حسب اللهجات و التقاليد المختلفة الشائعة بين الشعوب . هو ذلك الغصن المتفرّع الذي يحمله أشخاص معيّنون و يجولون في الأرض ، ذهاباً و إياباً ، بحثاً عن الماء الكامنة تحت الأرض . ( هذه هي الصورة المألوفة عند جميع الشعوب ) .

هذه التقنية التي جاءتنا من موروثات شعبية قديمة ، و التي لازال الناس منقسمين بين أنصار و مستخدمين لها ، و من جهة أخرى المسفّهين و المكفرين .. و قد لقي هؤلاء عنتاً شديداً ، و نعتوا بالسحرة ، و اتهموا بإتّباع الشيطان ، بالرغم من أن هؤلاء المساكين يعجزون عن تقديم تفسير مقنع لهذه اللعبة التي يلهون بها من وقت لآخر .

   

وردت في المعاجم العربية القديمة باسم " عصى القنقن " و معناها " الدليل الهادي " أو " المهندس الذي يعرف مكامن المياه تحت الأرض " . و القنقنة معروفة عامة أنها "عملية البحث عن الماء أو غيرها من أشياء تحت الأرض".

و قد عرفت عند الأوروبيين بإسم Dowsing Rod ، و وصفت في إحدى الأوراق العلمية القديمة كالتالي :

" يقبض المقنقن على فرعي عصاه بيديه ، و يتجوّل بها فوق المواقع المحتملة للمياه أو المناجم ، فتستشعر العصا وجود مادة البحث تحت الأرض ، فتهتزّ ".

و هناك تعريف آخر يقول :

 " القنقنة هي حسّ أو فن تقبّل الإشعاعات الكهرمغناطيسية أثناء كشف الينابيع ".

 و كذلك التعريف :

 " القنقنة هي عملية الحصول على معلومات غيبية أو أشياء ضائعة أو دفينة ".

   

ـ أقدم السجلات التي أشارت إلى "القنقنة" هي تلك الرسومات الموجودة على جدران كهوف "تاسيلي" في جبال الأطلس ، بشمال أفريقيا . و قد اكتشفت في عام 1949م ، و ظهر في تلك الرسومات رجلٌ يحمل عصا القنقن بين يديه ، و يبحث عن المياه ، و هو محاطٌ بجمع من الناس .  و أكّدت عملية الفحص الكربوني أن تاريخ تلك الرسومات يعود إلى أكثر من  8000 عام .

 ـ هناك رسومات على جدران بعض المعابد الفرعونية ، يعود تاريخها إلى  4000 عام ،  تصور رجالاً يحملون بأيديهم أدوات قنقنة مختلفة .

 ـ و ذكرت القنقنة في مراجع فرعونية تعود لأكثر من 3000 عام.

 ـ الملكة المصرية " كيلوباترا" كانت تصحب معها على الأقلّ اثنين من المقنقنين أينما ذهبت ، ليس للبحث عن الماء بل عن الكنوز .

ـ كانت تستخدم في زمن الإغريق ، و قد ذكرها الشاعر الإغريقي "هومر"

( كاتب الأوديسة ) ، و أطلق على القنقنة اسم " رابدومانسي" و لازالت تتخذ هذا الاسم عند الإيطاليين .

   

ـ و قد ذكر الكاتب الروماني " سيسيرو" عصا القنقن في الكثير من كتاباته ، و يشير إلى استخدامات القنقنة الشائعة في أيامه .

 ـ أما في شرق آسيا ، فيبدو أنها كانت شائعة بين العامة بالإضافة إلى الملوك ، فصوّر الإمبراطور الصيني " تو" عام 2200 قبل الميلاد ، و هو يحمل عصا قنقن في يده .

ـ استخدمت القنقنة خلال فترات العصور الوسطى في أوروبا ، حيث كانت تعتبر تقنية فعّالة في معرفة مكامن الفحم الحجري في باطن الأرض .   و كان اسمها أثناءها هو " فيرجولا ديفين" Vergula Devine  (باللغة اللاتينية) ، و اسماها الباحثون عن المناجم في ألمانيا بـ"دويتر" Deuter و معناها "الدليل" أو "المؤشّر" . و لأن القنقنة كانت واسعة الإستخدام في ألمانيا ، و في مجالات كثيرة كالبحث عن المياه و المعادن و الفحم الحجري و غيرها ، فنلاحظ بالتالي أن جميع المتاحف المحلّية و الوطنية و المكتبات و حتى المجموعات الفردية ، جميعها تحتوي على كتب و تحف و لوحات فنية و تماثيل و عملات نقدية و كذلك  مقتنيات شخصية و غيرها من أشياء تشير إلى أهمية القنقنة في ألمانيا و أوروبا، و غالباً ما تمثّل هذه الأشياء أشخاص يحملون قضيب القنقن .

   

ـ و رغم استخداماتها المتعددة و الشائعة في أوروبا خلال العصور الوسطى و بدايات العصر التنويري ، فغالباً ما كانت القنقنة تمارس في الخفاء ، ذلك بسبب تحريمها من قبل الكنيسة ، حيث كانت هذه السلطة ، السائدة في حينه ، تعتبر القنقنة من أعمال الشيطان و تدخل ضمن نطاق الشعوذة و السحر ، التي كانت عقوبتها الموت ! . هذا ما جعلها بعيدة عن تناول دراسات و أبحاث رجال العلم في تلك العصور .

ـ من أوّل الدراسات المطبوعة كانت من أعمال "جورجيوس أغريكولا" Georgius Agricola  في العام 1556 م ، أجرى خلالها دراسة على رجل ألماني يحترف القنقنة . و نشرها في كتاب بعنوان : De Re Metalica .

 ـ أوّل من أطلق عليها الاسم الأنكليزي الحديث Dowsing ، هو الفيلسوف الإنكليزي الشهير " جون لوك" في مقالة له عام 1650 م ، حيث تحدّث فيها عن ظاهرة القنقنة و استخداماتها الواسعة بين الأوروبيين .

   

ـ في العام 1691 م نشر كتاب في ليون بفرنسا للكاتب " جين نيكولا دي غرينوبل" Jean Nicholas De Grenoble ، و كان عنوانه : " عصا يعقوب أو فن البحث عن الينابيع و المعادن و المناجم و أشياء أخرى ، عن طريق العود المتشعّب " .

ـ خلال القرنين السادس و السابع عشر ، نشرت الكثير من الكتب و الدراسات التي تتناول موضوع المناجم و هندسة الحفريّات ، في كل من بريطانيا و فرنسا و ألمانيا ، و جميعها ذكرت القنقنة و أولتها اهتماماً كبيراً. و كذلك المعاجم التي ذكرت هذا الموضوع بإسهاب ، مثل : " معجم المناجم لعام 1747م" 1747 Mining Dictionary  و " تاريخ كورنوال الطبيعي 1758م" 1758 Natural History of Cornwall ، و1831 Quarterly Mining Revew ، و غيرها من كتب و مراجع علمية أخرى .

 

 

   

 

ـ منذ تلك الفترة ، راحت تذكر المواضيع المختلفة حول القنقنة في الآلاف من الكتب و المجلّات و المراجع العلمية و غير العلمية . و قام أحد الأشخاص بترجمة ورقة لاتينية عمرها 356 سنة ، تقوم بدراسة القنقنة ، إلى اللغة الإنكليزية ، و نشرت في "مجلّة المناجم عام 1912م " Mining Magazine 1912  . و هذا المترجم هو مهندس مناجم أصبح فيما بعد الرئيس الواحد و الثلاثين للولايات المتحدة ، اسمه "هيربيرت كلارك هوفر" .

 

 

أشهر المكتبات العالمية مثل "مكتبة الكونغرس" و "مكتبة هارفارد" و "مكتبة ييل"، على أكثر من 3500 كتاب مخصّص لدراسة القنقنة . أما في الدول العربية ، فلا يوجد كتاب واحد يدرس هذه التقنية بشكل موضوعي دقيق ، و من وجهة نظر علمية .

 

اعضاء الكونغرس الأمريكي يحملون وسائل مختلفة للقنقنة عام 1911م

   

 

ـ استعمل العالم الفيزيائي الشهير " ألبرت أينشتاين" عصى القنقن في مناسبات كثيرة ( بهدف البحث العلمي ) ، و علّق على هذه الظاهرة يقول :

" أعلم جيداً أن الكثير من رجال العلم العصريين يعتبرون "القنقنة" نوع من الخرافات ، لكن وفقاً لقناعتي الشخصية ، فتلك النظرة غير صحيحة . إن عصا القنقن هي أداة تتحرّك نتيجة لرد فعل النظام العصبي الإنساني بطريقة غامضة لازلنا نجهلها في الوقت الحاضر " .

 

     
 

 

 

 

 

 

 

 

 

عصاتا قنقن حديثة من البلاستيك

  غصن شجرة متشعّب

أقدم أداة للقنقنة

 

لم يعترف المنهج العلمي السائد بهذه الظاهرة ، حيث أن جميع المراجع و الموسوعات العلمية لا تذكرها إطلاقاً ، و إن ذكرت ، يكون ذلك بهدف الانتقاد و التكذيب و السخرية . لكن رغم ذلك كله ، فقد استخدمت القنقنة منذ  بدايات القرن العشرين ، من قبل الكثير من المؤسسات و الشركات و حتى الجيوش ، و أثبتت جدارتها في مجالات كثيرة مفيدة .

 ـ نالت هذه الظاهرة اهتمام الكثير من المشاهير مثل ليناردو ديفينشي و روبت بويل و شارل ريشية و الجنرال رومل قائد القوات الألمانية في أفريقيا الشمالية ، و الجنرال جورج باتون قائد القوات الأمريكية في المغرب العربي أثناء الحرب العالمية الثانية . فكلا القائدين استخدما "القنقنة" للبحث عن المياه و الألغام و أهداف أخرى مختلفة ، حتى أن الجنرال باتون استورد شجرة صفصاف بكاملها من الولايات المتحدة من أجل استخدام أغصانها للبحث عن مصادر مياه بديلة للآبار التي فجّرها الجيش الألماني .

 

عصى قنقن معدنية

 

المرجع :

 "Breif History of Dowsing"

      Don Nolan       

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"The Divine Hand"

Christopher Bird

في الحديث عن الحروب و الجيوش الحديثة , سوف نتفاجئ بحقائق لم نسمع عنها من قبل ، حيث أن القنقنة لعبت دوراً كبيراً في معظمها .

 ـ استخدمت الدول الاستعمارية هذه التقنية بشكل واسع في جميع المستعمرات ، غالباً لإيجاد المياه النقية .

 ـ في الحرب العالمية الأولى ، استنجدت الجيوش المتنازعة بالمقنقنين للبحث عن الألغام الأرضية و القنابل الغير متفجّرة .

 ـ ذكرت القنقنة في وثائق عسكرية تابعة للاتحاد السوفيتي يعود تاريخها إلى الثلاثينات من القرن الماضي ، حيث استنجد بها سلاح المهندسين التابع للجيش السوفيتي لإيجاد مكامن المياه الصحية في المناطق النائية .

 ـ و ذكرت في تقارير عسكرية بريطانية، كتلك التي تناولت تكليف القطاعات الهندسية الملكية بمهمة إنشاء  مركز القيادة التابع للجيش البريطاني في ألمانيا عام 1952م . و قد واجهوا مشكلة حقيقية في الموارد المائية ، حيث أن تسعة آلاف من الجنود كانوا بحاجة إلى 750000 غالون من المياه يومياً . و البريطانيون لا يؤمنون سوى بموارد مياه خاصة بهم دون مشاركة المدنيين الألمان . فقام الكولونيل "هاري غراتان" باستخدام القنقنة لإيجاد مكامن مياه بكميات هائلة في مناطق قريبة من القيادة ، مع أن المهندسين المختصّين استبعدوا وجودها . فوجد الكولونيل الحلّ لمشكلة مستعصية , كما أنه قام بتوفير الأموال الطائلة ( مئات الملايين من الجنيهات ) التي خصّصها الجيش البريطاني كميزانية مخصّصة لمصادر مياه أخرى .

المرجع : A Short History of Deep Dowsing .

                         David Villanueva                         

 ـ و استخدمت القطعة الأولى و الثالثة من البحرية الأمريكية في فيتنام عام 1967م القنقنة كوسيلة سهلة و غير مكلفة ، من أجل معرفة مكان وجود أنفاق الفيتناميين التي كانت تعمل كعصب حيوي في إدارة حربهم ضدّ الأمريكان . كما قاموا باستخدام القنقنة لاكتشاف الألغام البلاستيكية التي  يعجز عن كشفها( جهاز كاشف الألغام الإلكتروني ) ، و كذلك استخدموا هذه الوسيلة لمعرفة مكان وجود الكمائن و الأفخاخ التي اشتهر بها الفيتناميون .

المرجع : Bossart 1968 In The Project Poorboy Annual Progress 

                                     Report ; BIRD 1979

 ـ " لويس ماتيسا" هو أحد المقنقنين الذين قاموا بتدريب عناصر من سلاح البحرية الأمريكية   على استخدام القنقنة من أجل تفادي الكمائن و التجوّل في الغابات الكثيفة بأمان ، و حتى معرفة جهة تواجد العدو ! . و قد اعترف الكثير من الجنود أن هذه الوسيلة قد قامت بإنقاذ الكثير من الأرواح أثناء وجودهم في فيتنام .

 ـ كما استخدمها الجيش البريطاني في جزر الفوكلاند خلال حربهم على الأرجنتين ، للبحث عن الألغام .

أما المؤسسات المدنية الرسمية و غير الرسمية ، فتقوم الكثير منها بتوظيف المقنقنين المحترفين ، و تدفع لهم أعلى الرواتب . مثل :

 ـ شركات هندسية مختلفة :

تستخدم المقنقنين لمعرفة الأخطاء في المخططات الهندسية الظخمة المختلفة ، كتحديد مواقع التشققات في بنية السدود أثناء تسرّب المياه ، أو تحديد مواقع الأعطال الحاصلة في شبكات واسعة من تمديدات الأسلاك الكهربائية و المعلوماتية المختلفة ، أو شبكات المجاري المائية و غيرها من مهمات لا يمكن للأجهزة الحديثة القيام بها .

 ـ شركات مياه :

تستنجد بالقنقنة من أجل تحديد مواقع مناسبة لحفر الآبار الارتوازية ، و التمكّن من معرفة نوعية المياه الكامنة في أعماق الأرض ، و مهمات أخرى زهيدة الثمن نسبة ً للأجهزة الإلكترونية التي تعجز عن تحقيق ما تحقّقه القنقنة.

 ـ شركات استخراج المعادن :

للبحث عن خامات المعادن المختلفة ، و البترول ، و الفحم الحجري ، و الرخام , و غيرها من مواد خام طبيعة كامنة تحت الأرض .

 ـ شركات تعهدات البناء :

لتحديد مواقع مواسير المياه و الأسلاك الكهربائية الموجودة تحت أرضية مواقع البناء ، حيث يقومون بسبر المواقع قبل حفر الأساسات أو غيرها من أعمال حفرية ، لتفادي تخريب تلك التمديدات .

 ـ الشركات الزراعية الكبرى :

للبحث عن مصادر المياه ، و تحديد مواقع جذور الأشجار الظخمة المدفونة تحت سطح الأرض ، و كتل من التربة السامة التي تعيق نمو المزروعات .

 ـ حملات البحث عن الأثار :

ذكرت القنقنة في الكثير من الدراسات التي وضعها علماء الآثار في بحوثهم المختلفة . نذكر منها ما ورد في دراسة البروفيسور الروسي " الكسندر باوزنيكوف " عن استخدام القنقنة في الاتحاد السوفيتي السابق . و قد استخدم هذه التقنية بنفسه مع زملاؤه للبحث عن العديد من المواقع الأثرية .

و قد قاموا باكتشاف الكثير من الآثار العمرانية المدفونة تماماً تحت الأرض ، دون أن يكون لها أي أثر للاستدلال إليها على سطح الأرض ! و لا حتى أي مرجع تاريخي يشير إليها !.

و أكد أنه بفضل تقنية القنقنة ، بستغرق العمل في موقع أثري معيّن عدة ساعات فقط ، بينما بواسطة الأساليب التقليدية ، يستغرق العمل عدة أسابيع !. و قاموا باكتشاف الكثير من الممرات و الحجرات و المخازن في مواقع محيطة بأبنية معروفة مثل قصر " كروتسكي" في موسكو ، و دير " فولوكاسكي " بالقرب من موسكو ، و مواقع أخرى مختلفة في البلاد !. أما الرئيس السابق لجمعية المقنقنين البريطانيين " سكوت أليوت " ، فقد أمضى سنوات طويلة اكتشف فيها الكثير من المواقع الأثرية المهمة ، و هو يقيم منذ سنوات ، دورات تدريبية يتم من خلالها تعليم فن و تقنية قنقنة الآثار التي ابتكرها من خلال تجاربه الشخصية في هذا المجال !.

 ـ مؤسسات أمنية : ( الشرطة )

للبحث عن أشخاص مفقودين ، و كذلك الأشياء الضائعة أو المختبئة ، أشخاص مخطوفين أو حتى جثث مخفية .

 و طبعاً نحن لم نسمع عن هذه الحقائق الواقعية ، و لن نسمعها أبداً ، لأن غالبية هذه المؤسسات تستعين بخدمات المقنقنين بشكل سرّي دون محاولة إظهارها للعلن لأسباب كثيرة تسيء لسمعتها بشكل كبير . فقد تفقد شعبيتها و بالتالي تواجه الخسارة المادية المؤكّدة . فالناس لم يألفوا هذه التقنية بعد ، و هذه عقلية مدعومة من المنهج العلمي السائد الذي لا يعترف بها أساساً .

 فشركة الأدوية العملاقة "هوفمان ـ لاروش" HOFFMAN-La ROCHE ، مركزها في سويسرا ، تعرّضت لفضيحة كبرى في سنة 1944م ، حيث اتهمت باستخدام "القنقنة" التي تعتبر تقنية لا تعتمد على أسس علمية واضحة . و عند إجراء مقابلة مع الناطق باسم هذه الشركة العملاقة ، اضطرّ لقول الحقيقة ، فصرّح قائلاً :

" شركتنا تتبع وسائل و أساليب تعود إليها بالربح المادي ، فلا يهم إن كانت هذه الأساليب علمية أو غير علمية ، لكن الأهم هو أن القنقنة أثبتت جدارتها بنجاح ‍" .

شخصيات مشهورة :

 ـ "أمي كيتمان " :

إبنة مقنقن محترف ، اعتبرت أشهر المقنقنين في ألمانيا . و من أشهر إنجازاتها في هذا المضمار هو أنها استطاعت تحديد مكامن المياه النقيّة ، بدقّة متناهية ، في قريتها "تيغيرنسي" ، فالمعجزة لا تكمن هنا ، بل في أن القرية طالما عانت من مياه ذات نسبة عالية من محتوى السولفور . فاستطاعت "كيتمان" ، بدقّة كبيرة ، تحديد مكان الحفر للوصول إلى مجرى المياه النقية ، من بين مجاري المياه الغير صالحة للشرب . فحدّدت العمق و كذلك حدّدت نسبة اليود في هذه المياه أيضاً ! .

 ـ في القرن السابع عشر ، اشتهر الفرنسي " جاك أيمر فارنيه" Jacques Aymar Vernay ، بقدرته على استخدام القنقنة لتتبّع المجرمين . و قد استنجدت به السلطات في الكثير من قضايا تتصل بجرائم مختلفة ، و نجح "فارنيه" في معرفة مكان اختباء المجرمين في جميع المهمات التي كلف بها .

 ـ في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي ، اكتشف المقنقن "ستيفان ريس" وجود مخزون هائل من المياه النقية تحت صحراء موغافي في جنوب كاليفورنيا ، التي كان سكانها يضخّون المياه من مسافات بعيدة تتجاوز 1000 كم ، بواسطة المواسير التي كانت بدورها تمر بالعديد من محطّات التصفية . و قد نشرت مجلة "كاليفورنيا ماغازين" في العام 1953م ، مقالة تكشف عن مؤامرة السياسيين المسؤولين عن تلك المنطقة ، لإخفاء ذلك الاكتشاف الذي توصّل إليه "ريس"، لأنهم يجنون الأموال الطائلة نتيجة نقل المياه عبر تلك المسافة البعيدة ، بينما الإعتراف باكتشافات "ريس" قد يحرمهم من تلك الأموال . لأن المياه التي ستنقل من المواقع المكتشفة لا تتجاوز عدة كيلومترات فقط ، و دون ضرورة إلى أي محطة تصفية بسبب نقاوة المياه . ( و تقوم بتوفير المئات من الملايين على الحكومة سنوياً ) .

 ـ "هانز سكروتر" Hans Schroter :

رئيس المنظمة الألمانية للمساعدات التقنية الخارجية GTZ ، في الثمانينات من القرن الماضي . عملت هذه المنظمة على البحث عن المياه في مناطق شبه جرداء حيث مصادر المياه فيها غير دائمة ، و درجة نقاوتها متدنية جداً من مصادر لا يعتمد عليها . قام "سكروتر" ( و هو مقنقن محترف ) بتحديد مصادر مياه نقية في كل من سيريلانكا و ناميبيا و سيناء في مصر و كينيا و اليمن و النيجر و الكونغو و جمهورية الدومينيكان . و كانت قدراته القنقنية تمثّل تحدّي كبير للعلماء الذين قاموا بدراستها . فكان يستطيع تحديد مواقع حفر الآبار و كذلك عمق المياه بدقّة متناهية .

( هذه إحدى الآلاف من الأمثلة على إنجازات مشهورة موثقة )

 ـ بقيت ظاهرة "القنقنة" مصنّفة كعملية فلكلورية شعبية غامضة لم تنال الاهتمام العلمي سوى في أوائل القرن العشرين ، حيث أجريت منذ ذلك التاريخ الكثير من التجارب و الأبحاث العلمية ، محاولين إيجاد تفسير علمي يليق بهذه الظاهرة الغريبة .

و أفضّل عدم الخوض في ذكر هذه التجارب و تفاصيلها المملّة و ما نتج عنها من تفسيرات و نظريات ناقصة تعتمد على مبادئ علمية منهجية ليس لها صلة بهذه الظاهرة لا من قريب و لا بعيد . و قد أساؤا  تفسيرها كما فعلوا خلال تفسيرهم لظاهرة هجرة الطيور و الأسماك و غيرها من ظواهر غريبة أخرى .

و قد نشرت الكثير من الكتب و الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة ، و وضعت النظريات العديدة من قبل الكثير من العلماء البارزين و حتى الروحانيين أيضاً . و يمكن أن نصنّف هذه التفسيرات إلى قسمين رئيسيين :

 ـ المجموعة الأولى فسّرت القنقنة بأنها قدرة الإنسان على استشعار المجال الكهرومغناطيسي الذي تسببه المياه أو المعادن الموجودة تحت الأرض . و عصا القنقن هو أداة تساعد على استشعار تفاعل المجالات  الكهرومغناطيسية المختلفة التي تنبعث من الأشياء ، مع مجال جسم الإنسان الكهرومغناطيسي الطبيعي .

 ـ أما المجموعة الثانية ، فهم يعتبرون هذه الظاهرة من إحدى الظواهر الماورائية ( التعامل مع الأرواح أو السحر أو غيرها من تفسيرات خرافية أخرى ) . فهم يسندون تفسيرهم هذا على حقيقة أن المقنقنين يستطيعون الكشف عن أشياء مجرّدة من حقول كهرومغناطيسية (غير معدنية أو سائلة ) .

 ـ لا بدّ من أن نسلّم بحقيقة أن الأسباب وراء هذه الظاهرة ليست أسباب كهرومغناطيسية أو ما شابه ، و كذلك هي ليست عمل الأرواح أو كائنات غيبية أخرى ، أو سحر أو غير ذلك من معتقدات بالية ، بالرغم من أنها تبدو قوة خفية لم يتوصّل إليها العلم . و اعتقد بأن الوقت لازال مبكراً لوضع تفسيرات مناسبة على أساس القوانين العلمية الحاضرة . فيبدو أن الإنسان لازال بعيداً عن معرفة حقيقة هذا العالم الذي يعيش فيه . لكنه في طريقه إلى المعرفة ، و لا بدّ من أن يصل في النهاية . فمعظم العلوم السائدة اليوم ، كانت تعتبر في الماضي خيال علمي أو مجرّد خرافات ، فبالتالي ، إن ما نعتبره اليوم خيال علمي أو خرافة سوف يكون علماً واقعياً في المستقبل ، هكذا علّمنا التاريخ العلمي الطويل ، إنها فقط مسألة وقت ..

 

     

الموضوع التالي

                                  الفهرس الفرعي
     
                                  الفهرس الرئيسي